أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

325

العقد الفريد

فصول لعمرو بن بحر الجاحظ منها فصول في عتاب . أما بعد ، فإن المكافأة بالإحسان فريضة ، والتفضل على غير ذوي الإحسان نافلة . أما بعد فليكن السكوت على لسانك إن كانت العافية من شأنك . أما بعد ، فلا تزهد فيما رغب إليك ، فتكون لحظّك معاندا ، وللنعمة جاحدا . أما بعد ، فإن العقل والهوى ضدان ، فقرين العقل التوفيق ، وقرين الهوى الخذلان ، والنفس طالبة ، فبأيهما ظفرت كانت في حزبه . أما بعد ، فإن الأشخاص كالأشجار ، والحركات كالأغصان ، والألفاظ كالثمار . أما بعد ، فإن القلوب أوعية والعقول معادن ، فما في الوعاء ينفد إذا لم يمدّه المعدن . أما بعد ، فكفى بالتجارب تأديبا ، وبتقلب الأيام عظة ، وبأخلاق من عاشرت معرفة ، وبذكرك الموت زاجرا . أما بعد ، فإن احتمال الصبر على لذع الغضب ، أهون من إطفائه بالشتم والقذع . أما بعد ، فإن أهل النظر في العواقب أولو الاستعداد للنوائب ؛ وما عظمت نعمة امرئ إلا استغرقت الدنيا همّته ، ومن فرّغ لطلب الآخرة شغله جعل الأيام مطايا عمله والآخرة مقيل مرتحله . أما بعد ، فإن الاهتمام بالدنيا غير زائد في الرزق والأجل ، والاستغناء غير ناقص للمقادير . أما بعد ، فإنه ليس كل من حلم أمسك ، وقد يستجهل « 1 » الحليم حتى يستخفه الهجر . أما بعد ، فإن أحببت أن تتم لك المقة « 2 » في قلوب إخوانك فاستقل كثيرا مما توليهم .

--> ( 1 ) يقال : استجهله ، إذا حمله على شيء ليس من خلقه فيغضبه . ( 2 ) المقة : المحبة .